حبيب الله الهاشمي الخوئي
83
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
لطافة قوامه كالهواء والرّوح ونحوهما ، بل باعتبار جلاله وعزّته وجبروته وعظمته حسبما عرفت في شرح الخطبتين المذكورتين والحاصل أنّه ظاهر بآياته باطن بذاته . قال الشّارح البحراني : وإنما قال : فكر المتوهّمين ، لأنّ النفس الانسانية حال التفاتها إلى استلاحة الأمور العلوية المجرّدة لا بدّ أن يستعين بالقوّة المتخيلة بباعث الوهم في أن تصوّر تلك الأمور بصور خيالية مناسبة لتشبيهها بها وتحطها إلى الخيال ، وقد علمت أنّ الوهم إنما يدرك ما كان متعلَّقا بمحسوس أو متخيل من المحسوسات ، فكل أمر يتصوّره الانسان وهو في هذا العالم سواء كان ذات اللَّه سبحانه أو غير ذلك فلا بدّ أن يكون مشوبا بصورة خيالية ومعلقا بها ، وهو تعالى منزّه بجلال عزّته عن تكيف تلك الفكر له وباطن عنها ، انتهى . وقد تقدّم ما يوضح ذلك في شرح الفصل الثاني من الخطبة الأولى وشرح الخطبة المأة والخامسة والثمانين فليراجع هناك . الخامس انه ( العالم بلا اكتساب ولا ازدياد ولا علم مستفاد ) يعنى أنه عزّ وجلّ عالم بذاته والعلم ذاته وليس علمه باكتساب له بعد الجهل ، ولا بازدياد منه بعد النقص ، ولا باستفادة وأخذ له عن غيره كما هو شأن علم المخلوقين ، إذ لو كان كذلك لكان سبحانه متغيّرا وناقصا في ذاته مستكملا بغيره وهو باطل . السادس انه ( المقدّر لجميع الأمور بلا رويّة ولا ضمير ) أي الموجد لمخلوقاته على وفق حكمته وقضائه كلَّا منها بقدر معلوم ومقدار معيّن من دون أن يكون ايجادها مستندا إلى الرّوية والفكر ، ولا إلى ما يضمر في القلب من الصور كما يحتاج إليها ساير الصناع ، لأنه سبحانه منزّه من الضمير والقلب ، والرّوايات لا تليق إلَّا بذوي الضمائر حسبما عرفت تفصيلا في شرح الفصل الأوّل من الخطبة المأة والسابعة . السابع أنه ( الذي لا تغشاه الظلم ولا يستضيء بالأنوار ) أي لا يغطيه ظلام كما يغطى ساير الأجسام لكونه منزّها عن الجسمية ، ولا يستضيء بالأنوار كما يستضيء بها ذوات الابصار لكونه منزّها من حاسّة البصر وساير الحواسّ ، مضافا إلى أنه تعالى